يوسف المرعشلي
1598
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
في نصب مرشحها ، إلا أن تعدل القانون ووسّدت إليه المشيخة ، فنزل عن رتبة الباشوية وعن لقب الوزارة ، واكتفى بلقب الأستاذ الأكبر وشيخ الجامع الأزهر . وتنازل عن جزء من إدرارات المشيخة لتصرف في وجوه أخرى . وظل الطامعون في الرئاسة غير راضين عن تقلّده لها ، ولم يجدوا للوصول إلى أغراضهم إلا إهاجة الطلبة فأضربوا عن دروسهم ، فتأثر لما جرى وقضى مقهورا شهيد عزة نفسه . كان أول تعارفي إلى الأستاذ الأكبر في باريس سنة 1913 م وقد جاء فرنسا للتثقف بثقافة الغرب على ما تثقف الثقافة الغربية ، فرأيت فيه الإباء والمروءة والبعد عن العظمة . وتجلّى لي أن تربيته الأولى في بيت أبيه الكامل كانت من خير ما يربّى عليه أبناء النبلاء ، كان الشيخ محافظا على الشعائر على ما عرف بذلك أهله ، واحتفظ بعمامته وقفطانه وجبته من أول أمره إلى آخر عمره ، لم تبدل المناصب من زيه ، ولا غيرت رتبها من سنته ، ولا استخفته الألقاب العلمية التي أحرزها ، ومجامع العلم التي شارك في خدمتها . كان مثال الجد والثبات ، صلب العود في الحق ، رقيق الحاشية في عشرة الناس ، محافظا على القديم ، فاتحا صدره للحديث من المعارف . زار الملك فؤاد الأول كلية الآداب في الجامعة المصرية في بعض الأيام ودخل القاعة التي كان الأستاذ يلقي درسه فيها ، فوقف المليك يستمع إليه هنيهة ، والأستاذ يشرح الدرس لطلبته كأنه لم يدخل عليه أحد . وفي هذه الدقائق تجلت عظمة العلماء وجلال العلم . كان الأستاذ يجري صدقات على أرباب الستر ، ويعاون البائسين بما يخفّف بؤسهم ، ولا يحبّ أن يطلع أحدا على ما تندى به يده الكريمة . ولما صرف الأستاذ الظواهري شيخ الأزهر سبعين عالما من مدرّسيه كان فيهم أصدقاء الأستاذ عبد الرازق ، فوقف نفسه على خدمتهم ، وما تركهم يحتاجون إلى أحد ، ودام على تعهدهم ، حتى رجعوا إلى دروسهم ، سار بذلك بسيرة أسرته في إسداء الخير للخير ، وكذلك كان دأب أبيه وإخوته . سألت مرة محاسب كلية الآداب وهو تلميذ من تلاميذ الأستاذ عما إذا كان يحب أستاذه حقيقة فأجابني : وكيف لا أحبه وصفاته التي تحبّبه إلى النفوس كثيرة ! ؟ ثم قال : أسمع قصة من قصصه فتعرف أني على حق في إكباري أخلاقه . جاءني ذات صباح يسألني عن عدد الطلبة الذين توفقوا عن أداء الرسوم الجامعية وهم مهدّدون بالطرد إن لم يوفوا ما عليهم ، فأحصيتهم له فقال : كم يبلغ مجموع المبلغ المطلوب منهم ؟ فقلت كذا . فقال : خذه مني ولا تطالبهم بعدها . وإذا سألوك قل لهم إن الجامعة قررت إعفاءهم ولا تذكر لهم اسمي باللّه عليك . وأذكر أنهم كانوا نحو ثلاثين طالبا . وله من هذا القبيل صدقات ينفق عليها من راتبه ، ومن ملك ورثه من أبيه في بلده من الصعيد كانت صلتي بالأستاذ أجمل صلة ، لا رياء فيها ولا وهن . نتناصح ونتباثث الأفكار ، والأحظ عليه أشياء أوافقه عليها ، وطالما حثثته على وضع تآليف في الموضوعات التي جوّد الخوض فيها ، وأردته غير مر على أن يطبع دروسه في الجامعة لينتفع بها البعيد كما انتفع بها القريب ، فكان يعتذر بما يمليه عليه تواضعه ويقول : إن الطلبة تداولوها منذ ألقيت عليهم وحصل المقصود ، فلا داعي لطبعها على حدة . وأدركت بذلك أن صاحبي لا يهتم بالطبع والنشر اهتمام بالتعليم والتلقين ، شأنه شأن سلفه العلامة المراغي والقليل الذي طبع له يدل على طريقته في بحث المعضلات ، والنظر في تقدير المسائل بقدرها من دون حدة ولا تحامل ، يتلطّف في الأداء والعرض . ويقبل حتى الآراء التي تخالف رأيه برحابة صدر واحترام صاحبها . وبعد خمس سنين من تركه الجامعة بدا له أن يعود إلى دروسه فيها فينشرها كما هي بصورتها يوم كتبت من غير تنقيح ولا تعديل ، وفي صياغتها التعليمية التي تراعي حاجة الطلاب إلى مراجعة النصوص الكثيرة وحسن التدبر والفهم للأساليب المتفاوتة . وإن لم يخف على ذوق المطالعين جميعا ، ونشرها في مجلد لطيف سماه « التمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية » ثم نشر له جزء في الترجمة للكندي والفارابي والمتنبي وابن تيمية وابن الهيثم من حيث النظر الفلسفي . لو كتب له أن يتم هذه التراجم لقرب الحكمة من أذهان من طالما